إن أهمية الخطاب الاجتماعي أو الجماهيري في أي حركة حـضارية تنبـثق من كونه أداة فاعلة للوصول إلى المنجزات الحضارية التي تبتغي تحقيقها في الواقع ووصولاً إلى التحولات التي تريد إرسائها في المجال المراد تحقيقه عليه.
إن الخطاب هو الوسيلة التي يسبر بها حاملوه أعماق الإنسان ليعملعلى تعديل بعض محركات الانطلاق والتحدي الحضاري فيه للوصول إلى غاية التحرك ومنطلقالحياة.. هكذا بدأت التحولات التاريخية الكبرى، وعلى الأخص نهضة الرسول الأعظم (ص) التي غيّرت وجهالتاريخ وقادت البشرية نحو الطريق المستقيم، فإن لنهضة الرسول (ص)ملمحاً خاصاً تمتاز به عن جميع عمليات النهوض الحضاري في التاريخ البشري، إذ أنقائدها الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، الذي قال الله تعالى عنه: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
وعندما نتطلع للإقتداء بالرسول (ص) من أجل أن نرقىبأنفسنا وبمجتمعنا، فلابد أن نتوجه بدافع مسؤول لدراسة الخطاب الرسولي المقدّس،دراسة مستفيضة ترصد شتى الشمائل والمعالم للخطاب الذي حمل الأمة على كفّيه نحو ساحلالأمان وباتجاه قمة المجد.
وحيث لا يسعفنا هذا المقام أن نستعرض الخطاب المقدس تفصيلاً،فلا يسقط هذا الميسور بذلك المعسور، فنشير إلى معالم خطاب الرسول الأعظم (ص) بنحو مختصر:
1- إنلغة أي المجتمع هي الأقرب إلى قلبه وعقله، وإن تجاوز تلك اللغة يُعدّ خروجاً عن دائرةالتأثير، سواء كانت تلك اللغة تتعلق بالأسلوب الكلامي علواً ونزولاً، أو تعددها من حيث النوع المعرفي أوالموضعي أوالسياقي أو ما إلى ذلك، مما يعتبر لغة واضحة في التفهيم للطرف الآخر، فهكذا كان خطاب الرسول (ص) يكلّم الناس على قدر عقولهم، كماأكدّ (ص) ذلك بقوله: إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم. فحضي بنجاح فتح مغالق عقول الناس لنور الرسالة.
2- عادة ما تكثر الفصائل في المجتمع الواحد، ولذا لابد من ملاحظة التعدد في إطارالوحدة، فقد كان الرسول(ص) يخاطب المسلمين كأمة ولكن من دون إلغاء الخصوصياتالموضوعية التي كانت سائدة، والتي كانت متشكّلة في المجتمع، ونلحظ ذلك في عدم إلغاء تعبير(المهاجرين) للذين هاجروا مع الرسول، أوتعبير (الأنصار) للذين نصروه (ص)، بل قامبمؤاخاتهم (إنما المؤمنون أخوة)، مع الإعتراف بواقع التعدد، (وجعلناكم شعوباًوقبائل لتعارفوا). فاحتفظ كل بخصوصياته ولكن ضمن دائرة الأخوة الإيمانية والمشترك الإيماني.
3- إن الخطاب الجامد لايحرّك ساكناً، فجمود الخطاب على شكل واحد في جميعالظروف أشبه بالجمود، فينبغي أن يتنوّع الخطاب وفقاً لتنوع الظروف مع الإحتفاظبجوهر القيم، وقد ألقى (ص) خطاب التنوّع محافظاً على القيم الإسلامية السامية،فكان الخطاب المكي الذي احتوى على سمات العقيدة الصادقةومعالجة مشكلات الكفر والشرك، الظاهر منه والخفي، وبيّن مداخل الإيمان وعلائمه،ومن جهة أخرى نلحظ الخطاب المدني الذي اتسم بتأسيس الدولة، والاهتمام بالعلاقات الانسانية وأخلاقيات المؤمن، فكان الخطاب مرناً يراعي احتياجات الإنسان بحسب مرحلته وظرفه.